رابط

لا تحزن يا علي، الفرق؛ أن الزنزانة عندك ضيقة، أما الزنازن عندنا، فهي و أوطان…

لا ترفع الصوت.. فأنت آمن

ولا تناقش أبدا مسدسا

أو حاكما فردا

فأنت آمن

وكن بلا لون ولا طعم ولا رائحة

وكن بلا رأي

ولا قضية كبرى

فانت آمن

وأكتب عن الطقس

وعن حبوب منع الحمل أن شئت

فانت آمن

هذا هو القانون في مزرعة الدواجن

أبيات لشاعر الحرية نزار قباني؛ تصلح للماضي كما للحاضر في العالم العربي.

بئس قلم محرض؛ و صوت محرض، و صحافي أو كاتب أو مثقف محرض. بالطبع، هذا الكلام ليس موجها للأستاذ علي أنوزلا، لأنه حرض على الإرهاب و على زعزعة استقرار البلاد؛ كما يستشف من بيان النيابة العمومية، و إنما الكلام موجه لمنابر ترتدي سترة الصحافة و تنسب نفسها زورا إلى السلطة الرابعة و إلى صاحبة الجلالة، و هي أكبر عدو للكلمة؛ حينما تصبح هذه الكلمة حرة، و أكبر مناهض لحرية التعبير. فرغم أن تاريخ علي أنوزلا يشهد له بأنه لم يكن يوما داعية عنف ولا محرضا عليه، حتى أنه لم يكلف نفسه يوما عناء الرد على من كانوا و مازالوا يشون عليه حملات للتشهير بشخصه والتشكيك في سيرته. و ثمة من الجرائد الصفراء، من خصصت له حيزا يتتبع حركاته ويترصد عباراته حتى تأولها و تحرف معناها لتجعل منها مادة للتشويه و التخوين وفرصة لإفراغ الأحقاد، ولا داعي للدخول في ذكر أسامي هذه المنابر. كنت قد طالعت قبل أيام مقالا صيغ بنبرة بوليسية على أحد المنابر الإلكترونية المعروفة، كاتب المقال الذي جاء عنوانه كالتالي : ” ما رأي وزير الداخلية و وزير العدل والحريات في العدوان الذي يتعرض له استقرار المغرب وملك المغرب في موقع أنوزلا”؛ في إشارة إلى الفيديو إياه. ليس أكثر من الفضول ما جعلني أتمم قراءة المقال، صراحة، أحسست وأنا أتحسس بأنظاري العبارات و الجمل التي انتقاها الكاتب؛ أحسست بانقباض غريب في صدري، شعرت و كأني لست أمام مقال صحفي، و إنما أمام تقرير مخابراتي. الحقيقة، بالرغم من أني كنت أقدر، إلى حد ما، هذا المنبر الذي كان يصدر قبل سنوات كجريدة ورقية، قبل أن يلتحق بالركب الإلكتروني – كنت أقدره – لسبب، وهو أنه لا يبخل عادة بوقته في نشر ما كنت أبعثه له من مقالات للنشر. إلا أن ما قرأته جعلني أشعر بحزن و ضيق شديدين على حال صحافة “مستقيلة” من ميدان الصحافة؛ مستعدة لتقديم خدماتها لأي جلاد؛ مستعدة لتقمص دور السوط الطيع في يد الجلاد؛ و كلما أحست أن جَلد الضحية قد أعياه؛ إلا و صرخت بكل عنفوان: إجلد.. إضرب.. لا ترحم… و بعد يومين لا أكثر، وقع ما شعرت به، و هو أيضا، ما تمنيت أن لا يحدث. عندما طالعت خبر اعتقال الأستاذ علي الذي تداولته الصحافة بصنفيها الورقي والرقمي؛ وطنيا ودوليا، وبكل اللغات الحية، لم أتفاجأ كثيرا بالنبأ. وأظن أن العديد من المهتمين والمتتبعين للأحداث، خاصة المولهين بالعالم الإلكتروني، كانوا متيقنين من مجيء ذلك اليوم الذي تصفد فيه يدي علي أنوزلا؛ لأسباب معروفة ولا مجال للدخول في حيثياتها.

للأسف الشديد، ففي وقت يستقبل فيه المؤمنون بالديموقراطية و حرية التعبير، بصدور يملأها الأمل، خبر – بشارة- نجاح الإضراب الوطني للصحفيين بتونس احتجاجا واعتراضا على التضييق والإضطهاد الذي تواجه به حرية التعبير، على خلفية اعتقال الصحفي البارز زياد الهني. و في وقت حشدت فيه النقابة الوطنية للصحافيين بتونس التي ترأسها الأستاذة نجيبة الحمروني كل طاقتها لتوحيد الجسم الصحافي لمواجهة استبداد الترويكا الحاكمة، و محاولاتها الميئوسة تركيع الصحافيين، فان صدورا أخرى، هنا بالمغرب، قد انتكست من الموقف “الانهزامي” الذي عبرت عنه نقابة الأستاذ يونس مجاهد. وفي نفس الوقت، أيضا، الذي أبان فيه القضاء التونسي عن استقلاليته وحصانته ضد أي محاولة لتوظيفه سياسيا؛ بإصداره قرار الإفراج عن الصحفي زياد. و في خضم الحديث عن إصلاح العدالة بالمغرب، والخطاب المنوه بالإصلاحات الجديدة، و في مقدمتها استقلالية النيابة العمومية عن الوزير الوصي، تبقى مصداقية جهاز القضاء المغربي اليوم على المحك، أمام أول امتحان له يخص حرية التعبير، والمأمول أن يكون القضاء المغربي الذي رفعت أمام محاكمه و دوائره حركة العشرين من فبراير شعارات مدوية، عند الموعد التاريخي، و أن لا يضيع هذه الفرصة، و أن لا يوجه صفعة للملايين المتطلعة للحرية وللعدالة؛ وضربة موجعة للمغرب الذي أمسى وجهه وسمعته في خطر أمام المنتظم الدولي، المستند على تقارير المنظمات الحقوقية الدولية.

الجميع يتابع عن كتب تطورات ملف اعتقال علي أنوزلا، و بالطبع، فمن بينهم من يأمل انتصار العدالة لحرية التعبير، ومن بينهم، أيضا، من يتربص بفرصة هزيمة القضاء وانكساره أمام صقور الاستبداد، ليسترزق من هذه الفرصة على حساب سمعة المغرب والتزاماته الدولية. إلا أن كفة الفئة الأولى تبقى الأكثر ترجيحا والأشد تأثيرا، شاء من شاء و أبى من أبى، وقد أظهرت جموع المثقفين والاعلاميين ونشطاء الحريات وحقوق الانسان والفنانين في وقفتهم مساء اليوم الثلاثاء أمام ولاية أمن المعاريف بالدار البيضاء؛ استعدادها للتلاحم و التوحد من أجل حرية التعبير.

و في الأخير، لا يسعني إلا أن أقول لمدير نشر “لكم” الموقر: لا تحزن يا علي، فالفرق الوحيد؛ أن الزنزانة عندك ضيقة، أما الزنازن عندنا، فهي مدن و أوطان…

bakani1@hotmail.fr

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s